تعطّل الآيفون ومتحمّس لتصليحه بنفسك؟ تمهّل. صحيح نفذت أبل مطالبات مستخدميها بتوفير خدمة «التصليح الذاتي»، لكن كما تثبت هذه التجربة الحيّة، فالتكلفة بين مبلغ التأمين على معدات التصليح (فوق الألف دولار) وقطع الغيار، وبين إحضارك خبير تصليح بعد تسببك بعطل أكبر لجهازك لأنك لم تفهم الدليل المعقّد، أكبر بكثير من تكلفة اللجوء إلى خدمة الصيانة في أبل. وأجل، أبل تعمّدت تصعيب الأمور عليك لأنها متعلقة بك ولا تريد منك الاعتماد على نفسك.
لو أردتُ تعداد أكثر الأسئلة التي طُرحت عليَّ في السنين الخمس الأخيرة، لكان سؤال «وش بيفيدك في وظيفتك؟» حتمًا من الثلاثة الأوائل. ويَرِد السؤال في أغلب الأحيان كردة فعلٍ على إدراك سائلي أني التحقت ببرنامج ماجستير الآداب عن بُعد، رغم أن الجيولوجيا تخصصي الوظيفي، وليس ثمة علاقةٌ بينهما -حسب ما يفترض السائل.
منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، يظل جوابي كما هو: «ليش لازم يفيدني؟»
لا شكَّ في وجود تلازم بين الدراسة النظامية والمؤهل التعليمي وسوق العمل، سواء أتعلق الأمر بنطاق التخصصات المعروضة، أم بمنهجة المقررات، أم ببنية المواد الدراسية نفسها. بل كان هذا التلازم موضوع ندوةٍ أقيمت في أكتوبر من العام الماضي، تنادي بضرورة أن تُفصّل الجامعات برامجها بما يعود بالنفع على سوق العمل.
وفي هذا السياق يمكن فهم تصريح وزير التعليم السابق باحتمالية إلغاء بعض التخصصات الجامعية، وأيضًا فهم منطق من يطرح السؤال عليّ في المقام الأول. إذ تتلازم الدراسة الجامعية في المخيال العام باستيفاء شروط الحصول على وظيفةٍ ما.
ويمكنني طبعًا الإجابة على سؤال «وش بيفيدك في وظيفتك؟» بأنَّ من شأن تعليم واسع النطاق في الآداب أن يكون «استثمارًا» ذاتيًا. فمهارات التفكير النقدي والاطلاع الواسع التي سأكتسبها خلال البرنامج تعود إيجابيًّا على أدائي الوظيفي.
لكني حينها سأكون قد وقعت في شراك ما أحاول الفرار منه، وهو تصوّر عملية تحصيل المعرفة بحد ذاتها ضمن إطارٍ نفعي مادي مرتبط بحياة مهنية. أي بتصوّر المعرفة وسيلةً لغاية خاضعة لمعايير سوقية تسبغ عليها مختلف القيم والأولويات.
ما ينبغي التشديد عليه في المقابل هو تجريد اكتساب المعرفة (ولا سيما الأكاديمية) من هذا الإطار النيوليبرالي. فتتجرد المعرفة من قابلية التسليع والسوقنة مقابل جعلها مرتبطةً بالذات وتقويمها.